الخميس، 18 يوليو 2013

المفهوم الجمالي عبر العصور........................محمد قصي

        تعددت النظريات الجماليه والفلسفيه لتوضيح ماهيه الجمال والجميل مفسره  طبيعه الجمال باشكاله المختلفه ,منها ما فسرت وجودها في الطبيعه الحيه والغير حيه واخرى ربطت الجمال بالانسان بوصفه صفه ذاتيه كامنه في طبيعه الانسان نفسه  بتفاعله مع الطبيعه او مع العمل الفني ,وغير ذلك اتجهت النظريات اتجاه اخر بوصف ان الجمال يحصل نتيجه العلاقه بين الانسان نفسه ومايحيط به من مؤثرات وعوامل بيئيه.
       عبر التامل في الطبيعه التي ميز الله سبحانه وتعالى بها الانسان  وجعل الاحساس بالجمال صفه من صفاته العامه ,فاق الانسان بتامله عن مايصدر من انشطه في حياته اليوميه مبتعدا بتذوقه الجمالي عن حدود العالم المادي الى عالم الفكر والفن ,  وباختلاف المتباين في مفهوم الجمال ادى هذا بالرجوع الى امريه مختلفين حيال ذلك ,الاول هو عدم وجود معاير ثابت ودقيق للجمال ليربط جميع الاذواق معا ,اما الاخر هواختلاف المدركات العقليه والخيال لدى الافراد ويكون الاستيعاب متفاوت بين متلقي واخر.([1])
            ظهر في القرن العاشر والسابع قبل الميلاد مفكرين دعوا بالحكماء  يحملون فكرا ذا نزعه لاعقلانيه تهتم بالتامل في فلسفه الجمال ([2])
       تطرق (سقراط) في فكره الفلسفي الجمالي الى المعرفه التي اسندها الى العقل مبتعدا عن الميول الفردي والاهواء ,غير ذلك انه فرق بين العقل وبين الحس معتبرا العقل يبحث عن الماهيات ,اي ان العقل يكشف تلك الماهيه عبر الاعراض المحسوسه وتسمى بـ(الحد).([3])
         وعبر كذلك عن فلسفته الجماليه بالنفع والخير والاخلاق الحميده باتخاذه الفن الجميل الذي يحقق النفع الخلقي للانسان,مصورا الجمال آتٍ من غايه او عله بالاصل كانت موجوده فحل محلها,وبارتقائه الى عالم الصور الذي لا يفنى ولايتغير وهو (الازلي الخالد)بعيدا عن الحواس المتغيره الفانيه (مرتبطه بالماده)نجد الجميل يحمل في ذلك المشهد قدرا من الغائيه الاخلاقيه, مؤكدا بذلك ان الجمال الحقيقي هو جمال الروح (الجوهر) الذي ياتي عن طريق العقل وليس الجمال الظاهري الذي يتم ادراكه عن طريق الحواس. ([4])
         غير إنّ ذلك انعكس لدى أفلاطون، حين وضع لماهية الجميل نموذجاً مثالياً مصدره غير المطلق فالجميل لا ينفصل عن الخير وتراه قد وضع ثلاث مراتب للأشياء الأولى أسماها (عالم المثل) وهو عالم سامٍ خالد أزلي يتصف بكل صفات المطلق خارج إطار الزمان والمكان. أما الثانية فهي (عالم الحس ) ويمثل ظل العالم الأول أو هو صادر عن العالم الأول . ويشكل عالم الفن المرتبة الثالثة لدى  أفلاطون  فهو ظل الظل وبعيداً عن الحقيقة السامية بمقدار مرتين وذلك كونه ناتج عن غرائز وعواطف دنيوية والتي لا تقوى الارتقاء إلى عالم المثل .. أي أنَّ الفن لدى أفلاطون محض خيال يحاكي عالم الحس الذي هو الآخر بدوره محاكياً لعالم المثل . من هنا نجد إنّ أفلاطون اسقط الحواس وقدرتها على أدراك الحقائق الغائبة باعتبارها جزئية والجزئي لا يدرك الكل .. لذا أكد على أَنَّ الجمال الحسي هو جمال متراجع مصيره يسير نحو الزوال.([5])
          بينما(ارسطو) يرى ان الجمال على انه نموذج باطن في العقل البشري ولا يمكن البحث عنه خارجه رغم ان الجمال موجود في الإنسان.([6])
        وكذلك يؤكد ارسطو على البداية في فحص الأشياء عند إصدار الحكم الجمالي وعلى هذا الأساس  فقد ركز على الشكل الظاهري الموجود في عالم المعقولات والتي تتضمن تطهير النفسيات من الانفعالات وتأمين العقل من الخطأ وان الخير هو المبدأ الأول الذي يصدر عنه الجمال واشار أرسطو بوصفه للجمال بانه الشيء الفانِ ,ويوضح ارسطو ان للجمال معايير ( هي الترتيب والتناسب والوضوح ) وبها يعد أول من وضع قواعد لقياس الجمال.([7])
        عند الانتقال إلى مفهوم الجمال عند الفلاسفه المسلمين نجد ان فلسفتهم هي عباره عن امتداد للفلسفه اليونانيه وبالاخص ارسطو الذي سمي  بالمعلم الأول
        نجد (الفرابي) اشار في فلسفته بان ادراك الجمال الالهي ليس من اليسير الا بقياس ما ندركه من جماليات الدنيا والتي تتكون من ثلاث (الاحساس ,التخيل,العلم العقلي),حيث تطرق لوصفه بالجميل واحتضان الجمال والعيش فيه والاندماج معه معتبرا اياه عمليه مشتركه بين الله سبحانه وتعالى وبين الانسان ولكنه فرق بين شعورنا بالجمال المحدود وادراك الله الغير متناهي وهو جمال الجمال او منه يفيض الجمال ([8])
         لذا نجد التقارب والتطابق بين الفرابي وارسطو واضحا بتاكيده ان المخيله هبه الهيه التي تحتفظ بصور العالم الخارجي المنقوله الى الذهن عن طريق الحواس التي لها القدره على الابتكار والتخيل(الحلم والرؤى) عبر المحاكات والتقليد ,أي نجد في ذلك ان العمل الفني متفوق على الطبيعه مثلما تفوقت الصوره على الماده وبذلك يؤاكد (الفرابي) بان "القوه التي يحتفظ بها الانسان مارسمه في نفسه والمحسوسات بعد غيابها من مشاهده الحواس وهي القوه الباطنه ".([9])
        اما بالنسبه لـ(الغزالي) فاشار عن كيفيه تحقيق الجمال عبر المعرفة وادراك الاشياء وخاصة الحس المدرك وهي عمليه لاتقتصر على الانسان . فالمدركات تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ,وبلذة يتنافى ويناحر ويؤلم ويؤثر فيه ,ولذا بكل مافي ادراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك. وما في ادراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك.([10])
        وبين (الغزالي )الخطأ في الجمال المقصور على مدركات البشر أي مايمكن ادراكه بالحواس على حد قوله "اعلم إنّ المحسوس في مضيق من الخيالات والمحسوسات ربما يظن انه لا معنى للحسن والجمال الا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون. فان الحسن الاغلب حسن الابصار التفاتهم  إلى صور الاشخاص فيظن انما ليس مبصراً ولا متخيلاً ولا متشكلاً مقدر فلا يتصور حسنهم واذا لم يتصور فهم لم يكن في ادراكه لذة فلم يكن محبوباً".([11])
         لخص  (الغزالي )الجمال بربطه سائر انواع الجمال بالجمال الالهي وكأن الجمال الجزئي سواء أكان عقلي ام حسي يشترك في الجمال  الالهي ويرتبط به كونه اثراً من اثاره .وفي هذا الصدد يقرر الغزالي بقوله إنّ لاخير ولا جمال ولامحبوب في العالم الا حسنة من حسنات الله واثر من آثار كرمه. وغرفة من بحر جوده سواء، أُدرك هذا الجمال بالعقول أم بالحواس.([12])
        وعند التوجه الى (ابو حيان التوحيدي )  نجد الجمال  لديه يجري في مجموعة قنوات ومن اهم هذه القنوات الدين والاخلاق والتي تؤدي إلى الايمان بالخالق حيث يقودنا الجمال الطبيعي إلى الخالق المبدع لذا على الجمال الفني إنّ يقودنا إلى الطريق نفسه لذا يقرر التوحيدي إنّ الأخير في عمل اوضاعه لاتؤدي إلى توحيد الخالق سبحانه وتعالى وبذلك تقسم المراحل الأبداعية إلى مرحلة التصور الالهي وهي المرحلة التي تتوضح فيها حدود التجلي الالهي عند الفنان ومرحلة التصوير التعليمية والتي تتجسد فيها التصورات الحدسية وتتوضح فيها حدود البراعة والفطنة في المقدرة على التصوير .([13])
         يوكد على البديهيه والاسهام عند حصول الابداع الفني حيث يتكون الفن لديه عبر الشكل والمضمون, معتبرا الفن نافذه يدلي بها عن مافي داخل الانسان  ويشير به الى عوالمه المكنونه وهو ليس محصورا فقط بالعالم المحيط به.([14])
          شهدت العصور الحديثه  تغيرا واضحا في مفهوم الجمال لكون هذا الفكر تحرر من القيم العليا المطلقه ,فكانت طروحات (ديكارت) لها تاثيرا واضحا في تغير تلك الافكار ,حيث اصبح الجمال مرتبطا بالعواطف والوجدان وقدره الذات على تقدير الحكم الجمالي ,وترجيح الذوق مثلا للجماليه وارتباطه بالمحسوسات البيئيه ,معتمدا العمليه العقله وسيله تحليل وادراك والتي بها تكشف الحقائق الخالصه في المواد والاشكال التي  يعبر عن تجلياتها بادراك المطلق .([15])
          اما الجمال عند (هيغل) فهو جمال نسبي وان الفن تنتصر فيه الفكرة على المادة و لا يشترط المحاكاة في الفن ويقول إنّ الفن الذي يحاكي الطبيعة لا ينتج اثاراً فنية ذات قيمة ,وانما ينتج صنعة ومهارة. ذلك إنّ الفن محاولة لكشف المضمون الروحاني الباطني,وترتب على ذلك انه كلما عبرت الاعمال الفنية عن الباطن الروحي كلما ارتفعت إلى سلم الكمال ونضجت في الشكل ما دامت الروح اسمى من الطبيعة فان هذا السمو ينتقل إلى النتاجات الفنية وبذلك يؤكد  هيغل أَنّ الجمال الفني اسمى من الجمال الطبيعي لانه نتاج الروح.([16])
         اما راي المفكر (برجسون ), هو من اصحاب النظرة الصوفية التي اكدت عجز العقل عن ادراك الجمال . وانما يجب أَنْ نتجاوز العقل ويتم ادراك الجمال عن طريق الوجود أو الجذب وقد استبدل (برجسون) الجذب بالحدس وان ادراك الجمال لا يتم إلا عن طريقة الحدس والحدس* في حقيقته ليس سوى معاصرة الموضوع والنفاذ إلى باطنه أي ادراك الديمومة** الخلاقة ادراكاً مباشراً .. فكاننا بالحدس نحيا الجمال .. ونشعر بدخوله في نفوسنا ,أي انه يشدد على الطاقه الحدسيه لفهم الحقيقه الجماليه من الفن بصوره مباشره.([17])
        لقد انصب نقد (برجسون )على الفلسفات السابقة بشأن مفهوم الجمال فقد عاب على بعضها بتجاهلها إلى حركة الحياة وتطورها وما يقع  بها من احداث وزخم واخذ على تلك الفلسفات ونظرتها إلى الجمال, ونظر لها كما لو كان الجمود طابعها أو يغلب الموت على الحياة ذاتها ومن بين الفلسفات التي هاجمها هي الفلسفات الاليه.([18])
         وكذلك (سانتيانا ) الذي عد الجمال قيمه ايجابيه نابعه من الطبيعه بوصفه لذه في الشيء , و لادراك الشيء ادراكا جماليا يجب ان توفر عده نقاط فيه للاحساس الايجابي الذي ينصب على الشيء الحسن امام المتلقي,وكذلك يحب ان تكون للجمال قيمه بعيده عن ادراك أي واقع معين ,وليس للجمال وسيله لمنفعه ذاته,وان يكون الجمال ايضا اخراجا للنشوه في الشيء لتمثله.([19])




[1] عبد الرؤوف ,برجاوي ،  فصول في عالم الجمال، دار الآفاق الجديدة، لبنان، بيروت، 1981.ص5.
[2] .نجم ,عبد حيدر,علم الجمال افاق وتطورة,ط2,مكتبه الفنون الجميله ,بغداد,2001,ص3.
[3] .سمير نوفا,موجز تاريخ نظريات الجماليه ,دار الفرابي,بيروت ,1979,ص180.
[4] .اميره حلمي مطر , في الجمال ,من افلاطون الى سارتر,دار الثقافه للطباعه ,القاهره,1974م, ص13 .
[5] .اميره حلمي مطر  المصدر نفسه ,ص 76.
[6] .راويه عبد المنعم عباس ,القيم الجماليه ,دار المعرفه الجماليه ,الاسكندريه ,1987,ص 60.
[7] اميره حلمي مطر،  المصدر السابق نفسه، صـ76
[8] . شلق علي : الفن والجمال . الموسوعة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1982,ص74.
[9] .نجم عبد حيدر,علم الجمال افاقه وتطوره,المصدر السابق ,ص59.
[10] .عز الدين اسماعيل ,الاسس الجماليه في النقد العربي ,ص135.
[11] . ابو الريان محمد على, فلسفه الجمال ونشاه الفنون الجميله ,الاسكندريه,دار القوميه للطباعه والنشر,ص20
[12] ,المصدر السابق نفسه ,ص20.
[13] .عفيف بهنسي ,جماليات الفن العربي ,الكويت ,الثقافه والفنون والادب ,1979م,ص20.
[14] .عفيف بهنسي ,علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي مسائل في الفن، السلسلة الفنية 18، بغداد، وزارة الاعلام، مديرية الثقافة، مطبعة فنيان،1972 م،  ، ص135.
[15] .اميره حلمي مطر ,فلسفه الجمال نشئتها وتطورها ,المصدر السابق ,ص155.
[16] . هيغل ,مدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيش، ط2، بيروت- لبنان دار الطليعة للطباعة  1980  ، ص250.
[17] . محمد علي ابو ريان, فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة, الأسكندرية دار القومية للطباعة والنشر، ص118-119
* الحدس هو الادراك المباشر لموضوع الجمال وله اثره في العمليات الذهنيه المختلفة في الحس ويسمى حدساً حسياً. أو حدساً عقلياً ويعد السبيل الوحيد لمعرفة المطلق ويستخدم للبرهان والاستدلال.
** الديمومة. الزمان كما هو معنى مباشرة في الوجدان على انه حافز غير منقسم وهو جوهر التطور المبدع.على خلاف الزمان الرياضي الجامد. الذي ينقسم ويمكن قياسه..راجع (ابراهيم مدكور) ص76.

[18] . كريسون اندريه  ,شوبنهاور، ترجمة احمد لوي . دار بيروت للطباعة والنشر، 1958م,ص103 .
[19] . سانتينا، جورج: الاحساس بالجمال، بزورك ،موسوعةفرانكلين للطباعةوالنشر، القاهرة،1996، ص21.

هناك تعليق واحد:

  1. معلومات قيمة بارك الله جهودكم استاذ محمد

    ردحذف